|
كتبته / عائشة التواتي
تصوير /مصطفى المغربي

انعقدت في
الفترة من 25 الى 27 من شهر الثمور ( أكتوبر ) 2009 مسيحي
الحلقة الدراسية الإقليمية حول التراث غير المادي ( الفنون
الشعبية ) في الدول العربية بمدرسة الفنون والصنائع الإسلامية
بطرابلس- الجماهيرية ، وقد نظمت هذه الحلقة وأشرف عليها اللجنة
الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع المنظمة
الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ( الإيسيسكو ) وجمعية
الدعوة الإسلامية العالمية والمركز الوطني للمأثورات الشعبية
ومدرسة الفنون والصنائع الإسلامية.

هذا وقد
حضر الافتتاح كل من مدير مجلس إدارة مدارس الفنون والصنائع
الاسلامية وممثل عن المنظمة الاسلامية للتربية والثقافة
والعلوم ( الايسيسكو ) ، ومدير المركز الوطني للمأثورات
الشعبية بالاضافة إلى الاخ أمين الشعبة الاسلامية باللجنة
الوطنية للتربية والثقافة والعلوم وعدد من المهتمين بهذا
الجانب.
وفي كلمة
الافتتاح أكد الأخ د. علي عيسى أمين الشعبة الإسلامية للتربية
والثقافة والعلوم على ما تكتسبه هذه الحلقة من أهمية في ظل
الظروف التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية اليوم.
وما
تواجهه من تحديات حضارية وثقافية ، ومما تتعرض له من أخطار
تهدد إرثها المادي وغير المادي وأشار أمين الشعبة الإسلامية
إلى أن التراث غير المادي موضوع لهذه الحلقة يشمل ( كافة
التقاليد وأشكال التعبير الشفهي وأنواع الفنوان الشعبية
والتقاليد وكافة أنواع الفنون المتعلقة بالممارسات والطقوس
والعروض الاجتماعية) وذلك حسب ما نصت عليه اتفاقية صون التراث
الثقافي التي وقعت وصادقت عليها الدول الأعضاء بالمنظمة.
وفي تنايا
حديثه أكد الدكتور أمين الشعبة الإسلامية على ضرورة التصدي
لهذه الإخطار والمحافظة على هويتنا العربية والإسلامية وإحياء
إرثنا الثقافي المادي وغير المادي بزيادة الاهتمام والعناية
بالمخزون الحضاري بمختلف أشكاله وفرعه. لتتناقله الأجيال
وتتوارته جيلا بعد جيل حتى يكسبها الإحساس بوجودها ويعزز
انتهائها ويسهم في احترام التنوع والإبداع الانساني.

وفي كلمة
له بالافتتاح أشار
د. مصطفي عيد ممثل
المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ( الإيسيسكو) في
كلمته إلى أن التراث الفكري الإسلامي يعتبر الأبرز للذاكرة
الثقافية الإسلامية والحاضن للقيم الحضارية للأمة
وإبداعاتها الماضية في شتى مجالات العلوم والمعرفة، المدونة في
الوثائق العتيقة والمخطوطات النفيسة، فضلا عن التراث الشفهي
والفنون الشعبية لما له من دور إيجابي في الحفاظ على الذاكرة
الثقافية الجماعية ، مبيناً أن المنظمة انطلاقا من ميثاقها
واستراتيجياتها الكبرى وخطط عملها الثلاثية(2007_2009)
والمتضمنة العناية بالذات الثقافية الإسلامية وصيانة موروثها
ومواصلة جهودها في التعريف بهذا التراث الغير مادي عقدت هذه
الحلقة الدراسية بهدف العناية بالفنون الشعبية تحديدا وإبراز
دورها في ترسيخ الهوية الثقافية ودراسة السبل الملائمة
للمحافظة على هذه الفنون والوقوف على واقعها في الدول العربية
والبحث في وسائل المحافظة على هذه المأثورات الشعبية وتوثيقها
من أجل حماية وحفظ هذا الجزء المهم من تراث أمتنا المجيد.
وخلال هذه الحلقة الدراسية تم
استعراض تجارب الدول المشاركة من قبل خبراء متخصصين في التراث
من الدول العربية التالية:
الأردن / تونس / سوريا /
المغرب / موريتانيا / الجزائر / مصر / قطر / سلطنة عُمان /
الإمارات العربية المتحدة والجماهيرية العظمى، وجاءت
كافة العروض لتؤكد أن العناية بالفنون الشعبية ودراستها
أمر هام لأنها مثلت ترجمة مراحل تاريخية هامة جسدت أبسط بقايا
صور الماضي بما احتفظت به من جوانب تراثية عظيمة، وهي رمز
حضارة الشعوب والوعاء الذي يحفظ لها مبادئها، ويكتنز لها
مقوماتها ، وإهمال هذه الفنون يؤدي إلى اندثار حلقات هامة من
تاريخنا ينبغي المحافظة عليه.

وجاء في مجمل ماتقدم به
الأستاذ غازي المياس/ باحث في التراث من الأردن عرض تجربة
بلاده من حيث تميزها بوجود أنماط في متعددة من الفنون الشعبية
بحكم التنوع الاجتماعي والاتصال المباشر مع الجوار الإقليمي
مما أضاف للفنون الشعبية الأردنية الغنى والثراء والتنوع ومن
ناحية أخرى ارتباط الفنون الشعبية بالظروف السياسية ومقاومة
الاستعمار ومنها ما ارتبط بالظروف الاقتصادية والمعيشية ( فنون
مواسم الزراعة) ومنه ما ارتبط كذلك بالمناسبات الاجتماعية سواء
الأفراح منها أو أتراح وكذلك المناسبات الدينية ( المولد
والإستسفاء) بالإضافة للفنون التي ارتبطت بطبيعة العلاقة مع
الآخرين سواء كانت علاقات تعايش أو صراع، فهذه الظروف هي التي
أملت نفسها على انبثاق الفنون الشعبية في صورة غناء وشعر مثال
ذلك القوالب الغنائية الشعبية في الأردن والتي تصنف إلى صنفين
( غناء البادية والريف).
فغناء البادية تمثل في: الحداء
/ الشروقي / الهجيني / السامر( القصيد)/ التراويد بينما تمثل
الغناء الريفي في: الدلعونا / زريف الطول / الفن / الفن
الدرازي / الجوفييات / غناء الحصاد والبيادر / الغناء البحري.
وجاءت كل هذه التعبيرات
الثقافية على شكل فنون شعبية بمختلف أصنافها ومحتوياتها معبرة
عن هوية ثقافية عربية إسلامية عمقتها وحافظت عليها هذه الفنون
الشعبية .
وبما أن هذا الموروث الثقافي
لايزال محفوظا في ذاكرة وعقول الناس ويتم توارثه شفهيا ، فكان
لزاما تبني منهج التاريخ الشفهي المخزون في ذاكرة كبار السن
الذين عايشوا الحقب الزمنية المتعاقبة وذلك من خلال إجراء
مقابلات مباشرة معدة مسبقا للحصول على البيانات وتسجيلها كتابة
وصوتا وصورة ،كذلك الاعتماد على الرواية الشفهية حتى يكون
بالإمكان تسجيل وتوثيق هذا التراث بعقد جلسات المجموعة ( فوكس
غروب) للتركيز على أكثر من محور من محاور الفنون الشعبية مما
يثري بالتالي ذاكرة الناس.
أما التجربة العُمانية فكانت
بعنوان" دور مركز عُمان للموسيقى التقليدية في جمع وتوثيق
أنماط الموسيقى التقليدية العُمانية" للأستاذ جمعة بن خميس
الشيدي وهو رئيس قسم البحوث الميدانية والتوثيق بالمركز الذي
تطرق للأنماط الكثيرة والمتنوعة للموسيقى التقليدية العُمانية
ومناسبات إقامتها المختلفة من حيث كونها سجل حافل وكامل لحياة
أهل عُمان لاحتوائه على الأحداث القومية والقبيلة والشخصية ،
غير أن الحياة العصرية وما تشهده من تقلبات وتغيرات متسارعة
وعميقة أخذت تنال من هذا الموروث الثقافي الذي اصطدم بعراقيل
وصعوبات مختلفة بدأت تهدد أصالته وصيرورته وكيانه، ولهذا
استوجب العمل في اتخاذ إجراءات مناسبة وحثيثة لصونه والعناية
الخاصة به والاهتمام الجدي بجمعه ودراسته ونشره والتعريف به في
عدة مراحل وهي : المرحلة الاستطلاعية ومرحلة الجمع النوعي
الشامل والمرحلة الإستكمالية.
وكان قد صدر عن المركز إصدارات
عدة أولها " معجم موسيقى عُمان التقليدية" تلاها صدور كتابان
آخران هما " الموسيقى العُمانية مقاربة تعريفية وتحليلية" و"
وثائق المؤتمر الدولي حول التوجهات والرؤى المستقبلية للموسيقى
العربية".
أنماط الموسيقى التقليدية، عن
طريق التسجيل الصوتي لنماذج ذلك الشعر من رُواته وشعرائه
ومبدعيه ليصدر في مؤلف مع دراسة تحليلية وتعريفية لأنواعه
وأنساقه الشعرية المتعددة، ويأتي كل ذلك في سبيل المحافظة على
جانب مهم من إرث عُمان الحضاري والثقافي المتمثل في أنماط
تراثها الموسيقي التقليدي.

وكانت التجربة القطرية التي
تقدم بها الأستاذ حسن إبراهيم المهندي تناولت جمع
وتوثيق التراث الشعبي من حيث استحداث إدارة التراث ضمن هيكلية
وزارة الثقافة والفنون والتراث التي كانت من مهامها:
1.
الاهتمام بالتراث القطري العربي والإسلامي.
2.
جمع وتدوين وتوثيق مواد التراث الشعبي ، وبحثها
ودراستها ونشرها للتعريف بها وإتاحتها للباحثين والمهتمين.
3.
إنشاء أرشيف للتراث الشعبي.
4.
تنظيم الفعاليات الوطنية التراثية، وإحياء
المناسبات التراثية ودعم العاملين بها.
5.
تنظيم الندوات والمؤتمرات واللقاءات المتعلقة
بالتراث الشعبي.
واهتمت دولة قطر بتراثها
الأدبي والثقافي منذ الربع الأول من القرن المنصرم بطباعة أول
ديوان شعر نبطي يُطبع على مستوى منطقة الخليج العربي ثم توالى
الاهتمام بالتراث القطري بشكل خاص والتراث العربي الإسلامي
بشكل عام، حيث تم طباعة أمهات الكتب العربية والإسلامية في شتى
الأدب والشريعة والتاريخ ثم تواصل هذا الاهتمام والعناية
بطباعة ونشر كتب التراث في ستينيات القرن الماضي، منها طباعة
دواوين في الشعر النبطي بإشراف دار الكتب القطرية.
وفي الوقت الحالي ازداد
الاهتمام بكتب التراث ، إذ ساهم المجلس الوطني القطري للثقافة
والفنون والتراث منذ تأسيسه في تبني الإصدارات التراثية
الأصيلة والتركيز على الإنتاج الفكري لأدباء قطر وشعراؤها كذلك
توثيق مختلف جوانب التراث الشعبي القطري، إضافة إلى ما أولته
إذاعة قطر من عناية بتسجيل برامج كاملة مع الرواد وكبار السن
عن الحياة الاجتماعية والفنون الشعبية القطرية قبل عصر النفط.
وهذا يبين أن دول’ قطر ساعية
في تنظيم أعمال جمع وتوثيق وأرشفة التراث، والعمل المستمر على
نشره والتعريف به، وحفظه وتوثيقه وبتقنيات حديثة ومتطورة
للأجيال القادمة، وللحفاظ على مظاهر وقيم ومبادئ الهوية
الوطنية.


وفي الورقة التي مثلت
الجماهيرية للباحث الأستاذ مختار امحمد قرين
متحدثا عن تعريف التراث الثقافي غير المادي معرفا إياه
بالممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما
يرتبط بها من الآلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية التي تعتبر
جزء من التراث الثقافي الذي يتم توارثه جيل بعد جيل والذي
أبدعته المجموعات بما يتفق مع بيئتها وتعاملاتها مع الطبيعة
وتحدث عن طبيعة التراث الثقافي غير المادي وتطرق إلى
أهمية هذا التراث في كونه يعكس العديد من مظاهر الحياة
والجوانب الاقتصادية والثقافية والفكرية للمجتمع وحياة الفرد
وعاداته وتقاليده في الأفراح والأتراح التي كانت ومازالت
موجودة حتى اليوم.
واستطرد أنه لابد من حماية
التراث الثقافي غير المادي في عمليات الجمع والتنقيب والتوثيق
والتصنيف والأرشفة والنشر لعناصر التراث تأكيدا على عملية نشر
الوعي الثقافي والتركيز على عملية جمع التراث الثقافي غير
المادي الذي يتمثل في فنون الأداء والعادات والتقاليد
والتعابيروالمعارف والمهارات الشعبية وإدراج عناصر التراث
المعنوي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي
للبشرية يشجع الحوار واحترام التنوع الثقافي وهو من أهم أهداف
اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي للبشرية، لذلك
أولته منظمة اليونسكو أهمية بالغة وكرست له هذه الاتفاقية.

والتجربة المغربية اختارت "
مكنز التراث نموذجا" للدكتورة سعدية عزيزي أستاذة بالجامعة
المغربية المحمدية والتي تحدثت فيها عمل المركز المغربي للتراث
الذي هدف إلى بناء أداة توثيقية تعتبر بمثابة قاعدة بيانات
موسعة ونواة معلوماتية رائدة لحفظ وتوثيق مصطلحات وعناصر
التراث المغربي وفق أحدث نظم الأرشفة والتوثيق والتصنيف
والتقنين.
وأوضحت أن ما عمدت عليه الكثير
من الهيئات والمؤسسات العربية والعالمية من إخراج العديد من
الدراسات والأبحاث التوثيقية الهامة مثل دلائل رؤوس الموضوعات
، وأدلة العمل الميداني والموسوعات والأطالس والقواميس
والفهارس تظل قاصرة عن بلوغ مراميها ما لم تواكب حركة عصرنة
تتأسس بوسيلة معلوماتية لاسترجاع وتحليل وتكثيف وتوثيق عناصر
المأثورات الشعبية العربية المتميزة بالغزاة والتنوع الكمي
والكيفي ، وهذا من شأنه إثراء حقل الدراسات التراثية الفريدة
على الصعيدين الوطني والعربي ويرفد ميدان البحوث الأكاديمية
بأداة من أدوات التوثيق المعلوماتي الحديثة التي سيكون لها
تأثير مميز على مسيرة البحث التراثي ببلادنا العربية.

وفيما يتعلق بالتجربة السورية للأستاذ
صايل سلوم التي تضمنت دعم الصناعات التراثية والخاصة بالطبل
والربابة والشبابة ـ المجوزـ وغيرها من الآلات الموسيقية
التراثية كي لاتفقد لونها الخاص بها وكذلك جرد التراث الثقافي
اللامادي من أدب شعبي وأغاني وموسيقى وصناعات حرفية تقليدية
وإعادة التوزيع الموسيقي للغناء الشعبي وصون الموسيقى التراثية
وصيانة الآلات والعمل عل صياغتها مجددا للمحافظة على هذا اللون
الموسيقي في حالة عدم صلاحيتها للعمل إلى جانب القيام بعملية
تسجيل للأنشطة والأسطوانات السابقة وتحويلها على أقراص
CD
للمحافظة على هذا اللون من حيث الصوت والمشاهدة وتسجيل حفلات
الأعراس الشعبية وأغانيها ورقصاتها من جديد لتعود بشكل جميل
ومسموع وترميم ما حُذف منه لإعادة الحياة فيه ، كما تطرق إلى
ضرورة تبادل الخبرات العملية والعلمية بين الدول العربية في
مجالات الفنون الشعبية .

وبعد المناقشات العامة حول
مجمل الأوراق، وفي ختام أعمال الحلقة الدراسية ، أوصى
المشاركون بما يلي:
1-
دعوة الدول العربية إلى زيادة الاهتمام بالتراث
الثقافي غير المادي ، والعمل على جرده وحصره وتصنيفه .
2-
دعوة المنظمة الإسلامية "الإيسيسكو" إلى عقد
دورات تدريبية وورش عمل للتوعية بهذا الصنف من التراث وتأهيل
العاملين به .
3-
دعوة الدول العربية إلى إنشاء مكانز في
التراث الشعبي بهدف توثيقه مستفيدة من التجربتين المصرية
والمغربية في هذا الشأن .
4-
دعوة الجهات المختصة بالتربية والتعليم في
الدول العربية إلى إدماج التراث الثقافي غير المادي في البرامج
التعليمية .
5-
دعــوة وسائل الإعلام فــــي الدول العربيـــة
إلى الانخراط في الترويج للتراث الثقافي غير المادي ، بهدف
حمايته وتوثيقه .
6-
دعوة المؤسسات القائمة على حماية التراث
الثقافي غير المادي في الدول العربية إلى التعاون فيما بينها
لتكون نواة للتعاون على نطاق أوسع .
7-
الترحيب بإنشاء لجنة للتراث الإسلامي في منظمة
الإيسيسكو بقرار من المؤتمر الإسلامي السادس لوزراء الثقافة
المنعقد في 13-15 أكتوبر / في جمهورية أذربيجان،
والطلب من الجهات المختصة في الدول العربية والإسلامية إلى دعم
هذه اللجنة .
8-
الإشادة بجهود المنظمة الإسلامية للتربية
والعلوم والثقافة "الإيسيسكو" ومديرها العام في مجال عملها
وخاصة هذا الجهد المتميز في حماية التراث الثقافي غير المادي .
9-
توجيه الشكر إلى جمعية الدعوة الإسلامية
العالمية ، واللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم
، والمركز الوطني للمأثورات الشعبية على حسن التعاون مع
(الإيسيسكو) في عقد هذه الحلقة الدراسية .
10-
توجيه الشكر والتقدير لمدرسة الفنون والصنائع
الإسلامية لاحتضانها أشغال هذه الحلقة الدراسية .
********************************
|